٢٢‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ١٠:٥٣ ص

أميركا وصلت إلى حدود الحرب مع اليمن؛ لماذا أصدر ترامب أمراً بالتوقف؟

أميركا وصلت إلى حدود الحرب مع اليمن؛ لماذا أصدر ترامب أمراً بالتوقف؟

تشير التطورات الأخيرة في اليمن إلى أن أميركا وصلت تحت تأثير الطلبات المتكررة للسعودية في الأيام الماضية إلى حدود بدء عملية عسكرية مباشرة ضد القوات اليمنية، لكنها في المراحل الأخيرة تخلت عن تنفيذها تحت تأثير القلق الداخلي الأميركي من توسع رقعة الصراعات الإقليمية.

وكالة مهر للأنباء: بحسب التقارير المنشورة، طلبت السعودية خلال نحو أسبوعين قبل هذا القرار، مراراً من حكومة دونالد ترامب التحرك لوقف تقدم القوات اليمنية ودعم الرياض عسكرياً. ومع ذلك، لم تكن لدى واشنطن رغبة أولية في قبول هذا الطلب، بل إن الرئيس الأميركي، حتى يوم الأربعاء، أي قبل يوم واحد من تغيّر موقفه، كان قد عارض في اجتماع مع مستشاريه الدخول العسكري المباشر إلى اليمن.

لكن الأمور تغيّرت يوم الخميس. فقد اتصل محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، شخصياً بدونالد ترامب، وطلب مجدداً التدخل الأميركي. وبعد هذا الاتصال، تغيّر موقف الرئيس الأميركي، وكلّف البنتاغون بإعداد المقدمات اللازمة لشن حملة جوية في اليمن.

وكانت أهمية هذا القرار في أن المسألة لم تبق مجرد دراسة للخيارات السياسية والعسكرية. فبحسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز، راجع القادة العسكريون الأميركيون قائمة بالأهداف المحتملة وأقروها، وحُددت طائرات معينة لتنفيذ المهمة. بل إن عملية تحميل الذخائر على بعض الطائرات كانت قد بدأت. وهكذا وصلت أميركا عملياً إلى مرحلة الإعداد العملياتي لبدء الهجمات.

غير أن هذا المسار توقف في النهاية، وأعلن ترامب بعد بضعة أيام أنه لا يوجد حالياً قرار بدخول عسكري أميركي مباشر في حرب اليمن. والسؤال الرئيسي هو: ما العوامل التي دفعت الرئيس الأميركي إلى العدول مرة أخرى عن التنفيذ بعد إصداره أمر إعداد العملية؟

يجب البحث عن أحد أهم العوامل في الظروف المتزامنة في المنطقة. فأميركا في هذه المرحلة منخرطة في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران، وقد يعني الدخول المباشر إلى اليمن فتح جبهة جديدة في المنطقة. ومثل هذا الوضع لا يضع الموارد العسكرية الأميركية تحت ضغط أكبر فحسب، بل يزيد أيضاً احتمال توسع النطاق الجغرافي للصراع وتنامي التهديد ضد القوات والمصالح الأميركية في المنطقة.

في الواقع، المسألة بالنسبة لواشنطن ليست مجرد تنفيذ بضع ضربات جوية ضد أهداف في اليمن. فالدخول المباشر لأميركا يمكن أن يحوّل هذا البلد من فاعل داعم إلى طرف مباشر في الصراع؛ وهو تغيير قد لا تقتصر تداعياته على بضع عمليات جوية. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار قرار ترامب بإيقاف العملية جزءاً من محاولة منع تحول أزمة إقليمية واحدة إلى مجموعة جبهات متزامنة.

والعامل الآخر هو طبيعة الطلب السعودي. فالرياض تطلب من واشنطن التدخل لوقف تقدم القوات اليمنية؛ أي أن أميركا تواجه طلباً من حليف إقليمي بالدخول المباشر في صراع يتعلق في المقام الأول بمصالح السعودية الأمنية. وقبول مثل هذا الطلب سينقل تكلفة الأزمة ومسؤوليتها العسكرية من مستوى دعم الحليف إلى مستوى المشاركة المباشرة في الحرب.

ولهذه المسألة أهمية خاصة لحكومة ترامب، لأن الدخول المباشر لأميركا إلى اليمن يمكن أن يخلق انطباعاً بأن واشنطن انخرطت مرة أخرى في حرب ليس من السهل التنبؤ بنهايتها. وما زالت تجربة الحروب الطويلة الأميركية في الشرق الأوسط أحد العوامل المهمة في الحسابات السياسية لواشنطن، وتجعل اتخاذ القرار بالدخول في صراع جديد أمراً معقداً.

في المقابل، يواجه ترامب حقيقة أخرى أيضاً: فالسعودية أحد أهم شركاء أميركا في المنطقة، ويشكل أمن هذا البلد جزءاً مهماً من العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن والرياض. لذلك، فإن تجاهل الطلب السعودي تماماً سيكون له أيضاً تكاليف سياسية واستراتيجية للحكومة الأميركية. وهذا ما يمكن أن يفسر لماذا تغيّر قرار ترامب في فترة قصيرة من المعارضة الأولية إلى إصدار أمر إعداد العملية ثم إلى إيقافها مرة أخرى.

ومن جهة أخرى، فإن ادعاء ترامب بأن اليمنيين تعهدوا بعدم استهداف السفن الأميركية له أهمية أيضاً في حسابات واشنطن. فإذا بقي هذا التعهد قائماً، يمكن للحكومة الأميركية أن تحتج بأنه لا ضرورة للدخول المباشر في الحرب؛ لا سيما أن التدخل العسكري الأميركي قد يصبح بحد ذاته عاملاً لتغيير سلوك الطرف اليمني وتحويل تعهد محدود إلى مواجهة مباشرة.

وفي هذا السياق، لا ينبغي اعتبار توقف العملية بمثابة انتهاء ضغوط السعودية أو تراجع كامل عن الخيار العسكري الأميركي. فإذا استمر تقدم القوات اليمنية أو تعرضت المصالح الأمنية السعودية للتهديد أكثر من السابق، فمن المحتمل أن تمارس الرياض مرة أخرى ضغوطاً على واشنطن للتدخل المباشر.

وبالتالي، فإن ما حدث في الأيام الأخيرة يمكن اعتباره، أكثر من كونه نهاية لأزمة، مؤشراً على تردد استراتيجي لدى واشنطن بشأن كيفية التعامل مع تطورات اليمن. فأميركا، من جهة، لا تستطيع تجاهل طلب حليفها المهم، السعودية، بسهولة، ومن جهة أخرى، فإن فتح جبهة عسكرية جديدة في ظل انخراطها المتزامن في مواجهة مع إيران يمكن أن يخلق تكاليف كبيرة لواشنطن.

وفي النهاية، فإن أهم سؤال أمام حكومة ترامب ليس ما إذا كان الجيش الأميركي قادراً على تنفيذ ضربات جوية في اليمن أم لا؛ بل المسألة الأساسية هي ما إذا كانت واشنطن قادرة على السيطرة على التداعيات السياسية والاستراتيجية للدخول المباشر في حرب اليمن أم لا. إن قرار ترامب بإيقاف العملية بعد أن وصلت المقدمات العسكرية إلى مرحلة تحميل الذخائر، يدل على أن الإجابة عن هذا السؤال لا تزال غير قاطعة بالنسبة للبيت الأبيض.

وإذا استمر تقدم القوات اليمنية، فمن المحتمل أن يزداد الضغط السعودي أيضاً، وفي تلك الحالة سيواجه ترامب مرة أخرى القرار الذي أجّله في الأيام الأخيرة: الحفاظ على مسافة من حرب اليمن، أو قبول طلب الرياض والدخول المباشر لأميركا إلى جبهة جديدة في الشرق الأوسط.

/انتهى/

رمز الخبر 1974034

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha